١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ

تهديدات الصحافة الليبرالية لاستقلال القضاء الشرعي

%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%AF.png
بسم الله



 تهديدات الصحافة الليبرالية لاستقلال القضاء الشرعي

الشيخ: إبراهيم السكران

تهديدات الصحافة الليبرالية لاستقلال القضاء الشرعي 
إبراهيم السكران 

بات ظاهراً لكل مراقب أن القضاء الشرعي صار يتعرض مؤخراً لنفوذ خطير عن طريق الصحافة الليبرالية التي تلتقط بين فينة وأخرى قضية منظورة أمام القضاء، ثم تضغط باتجاه أجندتها الآيديولوجية الخاصة، وتتحكم في صياغة التقارير التي تصل للمستهلك النهائي، وتمارس إرهاباً اجتماعياً ضد القاضي، بل وتحرض منظمات دولية ضد القضاء الشرعي، وتنتهي الحفلة –غالباً- بتدخل سياسي وإلغاء الحكم الشرعي، فصار كثير من القضايا يحكم فيها بموجب شريعة رؤساء التحرير الليبراليين لا بموجب شريعة رب العالمين، وأخطر ما في ذلك رائحة العلاقات الأجنبية بحركات التأليب ضد القضاء الشرعي.

أمام هذا المشهد المفجع، وقبل أيام معدودة؛ صدع الشيخ العلامة الزاهد صالح الحصين بالحق في ملتقى القضاة السابق، وأعلن بكلمات حارة صادقة بوجوب توقف الصحافة عن التدخل في التأثير على أية قضية منظورة أمام القضاء، وأن هذا يهدد استقلال القضاء الشرعي.

كان من الواجب طبعاً أن يشكر الناس صنيع الشيخ حفظه الله، إلا أن فئة من الليبراليين عمدت إلى التشهير بالشيخ صالح الحصين نتيجة كونه صار يقف في وجه مطامع نفوذهم غير المشروع، وصاروا يتهمونه بأنه لايفهم معنى مبدأ (استقلال القضاء) ، وأن الفكر القانوني الغربي والحديث يعتبر تدخل الصحافة لايقدح في استقلال القضاء.

طبعاً أية مطلع على العلوم الحقوقية المعاصرة يعلم أن هذه المعلومات التي يرددونها عن المجتمع الغربي هي معلومات سائح، وليست تصوراً علمياً دقيقاً حول العلاقة بين الإعلام/القضاء في الفكر القانوني الحديث، فهذه القضية ليست قضية محسومة في الفكر القانوني المعاصر، بل هي مسألة جدلية وخلافية بين كبار رجال القانون المعاصرين، فثمة مختصون يرون وجوب تمكين الصحافة من نقد القضاء، وفي المقابل ثمة رموز أخرى من رجالات القانون الغربي يرون أن التدخل الإعلامي في القضاء يقوض استقلال القضاء، حيث أن الشخصيات الصحفية مرتبطة بأجندات ومصالح مختلفة وليست معنية بتطبيق القانون والعدالة، كما أن شريان الإعلام هو "المال" فمن يدفع أكثر يستطيع التأثير على مجريات القضية.

المهم، أنني أردت في هذه الورقة المختصرة أن أؤكد –ولست أكشف- جهل هذه الشريحة الليبرالية التي زعمت بأن تدخل الصحافة في القضاء مسألة محسومة في الفكر القانوني الحديث، وأنه لايقدح في استقلال القضاء.



والحقيقة أن أحد أشهر من طرحوا حججاً ومناقشات موسعة لتهديدات الصحافة ضد "استقلال القضاء" هو رئيس محكمة الاستئناف في نيويورك القاضي (جوديث كاي) وذلك في ورقته الشهيرة التي حظيت باقتباسات مرجعية عالية في الأبحاث ذات الصلة وقد نشرت بعنوان (الحفاظ على جوهرة التاج) في الفصلية القانونية التي تنشرها جامعة (هوفسترا) بولاية نيويورك.[انظر: J Kaye, Safeguarding a crown jewel, HLR, 1997, p.703]

وممن عالج نفس الموضوع وأشار لاطروحة كاي السابقة بروفسور القانون (جيوفري ميللر) حيث وصف أطروحة كاي السابقة بأنه (يجادل بأن النقد المتزايد للقضاء يقود إلى جعل الاعلام يهدد استقلال القضاء) [G Miller, Bad judges,TLR, 2004, p.457]

وفي فصلية (المحكمة العليا) نشر قاضي الاستئناف (جيوفري إيمس) بحثاً بعنوان (الإعلام والقضاء) وطرح إشكاليات متعددة وآراء متباينة كان من بينها قوله : (في رأيي الشخصي فإن البعض في الإعلام يقومون بدور أكثر من مجرد النقد إلى التأثير على القرارات القضائية)[G Eames, The media and the judiciary, HCQR, 2006, p.57]

ويذكر القاضي "إيمس" ذاته أن إشعار الحكم بالعقوبة يأخذ أحياناً عشرين صفحة، بينما يختصره الصحفي في عدة فقرات [Ibid, p.57] .

وحول حملة إعلامية استهدفت عدداً من القضاة في أحد القضايا يقول القاضي "إيمس": (هذه الصور تهدد استقرار واستقلال القضاء) [Ibid, p. 49]

وفي دراسة أخرى طرحها بروفيسور الاعلام والاتصال الجماهيري (روبرت دريجسيل) ونشرت في الفصلية القانونية التي تنشرها جامعة هوفسترا بولاية نيويورك أشارت الدراسة إلى أن الصحفيين يتصلون عادة بالمدعي العام، وعرضت إحصائيات لتكرار هذه الاتصالات، ويقول دريجسل في دراسته (إن تكرار اتصال المدعين العامين في ولاية مينيسوتا بالاعلام يشير إلى أن المدعين العامين في موقع التأثير على أجندة الصحفيين)[R Drechsel, An alternative view of media-judiciary relations, HLR, 1990, p.26]

هذه نماذج فقط لرموز من رجال القانون المعاصر وهم ينتقدون تدخل الإعلام في القضاء الشرعي، وأنه يهدد استقلال القضاء، وثمة في المجتمع الغربي رموز آخرون كثيرون –أيضاً- يتبنون وجهة النظر الأخرى، والمراد توضيح زيف الصورة التي يرويها الاعلام الليبرالي عن المجتمع الغربي، وقد كنت سابقاً أتوهم أن الصحفيين الليبراليين يعانون من الجهل في العلوم الشرعية فقط، أما الفكر الغربي فهم مقبلون عليه معظمون له، واكتشفت –ويالحزن اكتشافي- أنهم أكثر جهلاً بالفكر الغربي من جهلهم بالتراث الإسلامي.

والمراد من ذلك كله أن الباحث الصادق إذا تأمل الأحداث الأخيرة وكيف استطاع الإعلام الليبرالي أن يفرض وجهة نظره على القضاء الشرعي؛ علم أننا صرنا ننتقل من قضاء محكوم بسلطة الوحي إلى قضاء محكوم بسلطة الأعمدة الصحفية، ولاحول ولاقوة إلا بالله، هؤلاء الصحفيون الليبراليون الواحد منهم لايستطيع تمييز الحديث الصحيح من الضعيف، وليس لهم اطلاع على فقه الصحابة والتابعين في شرح معاني النصوص الشرعية، وليس لهم اطلاع على وقائع وظروف وطبيعة القضية ومايحتف بها من القرائن؛ ومع كل هذه الهشاشة لايتورع الواحد منهم أن ينشر ويحاور ويستضيف ويستضاف للحديث عن أحكام قضائية ونصرة طرف على طرف آخر!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حياك الله ، يشرفني تعليقك .

أعجبني